‏إظهار الرسائل ذات التسميات نادي خطوة حرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نادي خطوة حرة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 29 مايو 2022

في ندوة علميّة استضافت الباحثتين في التصوّف رشا روابح وشفيقة وعيل.. مخبر قضايا الأدب والثقافة الشعبية والترجمة يناقش اللغة الصوفية ويُخرج عفيف الدين التلمساني من عزلته

           في ندوة علميّة استضافت الباحثتين في التصوّف رشا روابح وشفيقة وعيـل

                مخبر قضايا الأدب والثقافة الشعبية والترجمة يناقش اللغـة الصوفيـة

     ويُخرج عفيف الدين التلمساني من عزلتـه

  

·     منير سعدي


·        الدكتورة رشا روابح: عفيف الدين التلمساني ظاهرة عرفانية، لا بدّ أن نعيده إلى جزائريّته، ويؤسفني أنّ كلّ شروحه حُقّقت من غير الجزائريين، وأنّه لا توجد أيّ مبادرة للاعتناء بتراثه.

·        الدكتورة شفيقة وعيل: ما نراه في الساحة، خاصّة النقدية، حول الصّوفية  في النّص الأدبي هو خبط عشواء، والمسألة أكبر من الحكم على استعمال مصطلحات وأساليب التصوّف.

·        رئيس المخبر الدكتور مسعود عبد الوهاب: العمل على الخطاب الصوفي دراسةً وتشريحًا يتطلّب التزوّد بآليات قرائية وبحثية قد لا تكون متاحة للجميع لاعتبارات عدّة.

·        الدكتورة شفيقة وعيل: الإشكالية الحقيقيّة في التعاطي مع النّص الصوفي هو في فهم علاقة اللغة بالتجربة.

·        الدكتورة رشا روابح: من يقرأ النصوص الصّوفية بذهنية فلسفية أو خلفية فقهية مستحيل أن يصل إلى مراد المؤلّف، وأقصى ما يصل إليه هو تكفيره أو اتهامه بالجنون.

·        الدكتورة رشا روابح: الاهتمام المتزايد بالتصوّف وبالمدرسة الأكبرية بشكل خاص يعود إلى عدة أسباب على رأسها الاهتمام الفكري المعاصر بعالم اللغة والإشارات، وأيضا بالخطاب الإنساني الكوني وكذا البعد المعنوي والروحي في الإنسان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



- في عدده الثاني الذي خصّصه للتصوّف ونظّمه بالتعاون مع نيابة العمادة للبحث العلمي بالكلية والمرصد الولائي للثقافة والتاريخ والتنمية المستدامة والمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية جمال بن ساعد بالجلفة، استضاف مقهى المخبر التابع لمخبر قضايا الأدب والثقافة الشعبية والترجمة التابع
 لكلية الآداب بجامعة زيان عاشور بالجلفة الباحثتين في التصوّف الدكتورتين رشا روابح أستاذة محاضرة بجامعة الجزائر وصاحبة مشاركات دولية في مؤسسات بحثية، وشفيقة وعيل خريجة الجامعة الأميركية في بيروت وعضو فريق بحثي بجامعة نيويورك أبو ظبي.

في كلمته الافتتاحية قال منسّق المخبر الدكتور الطيّب بلعدل أنّ هذه الندوة هي رحلة عجيبة يختلط فيها الماضي بالحاضر والظاهر بالغائب، وتحاول أن تسترجع أولئك الأعلام، كالإمام ابن العربي الحاتمي الأكبر، والإمام ابن الفارض، ونحاول أن نعرّج من خلالها في الفتوحات وفي كلّ المتون الصوفية المتاحة لكلّ واحد منّا، وفي كلمته الترحيبية يرى رئيس المخبر وعميد كلية الآداب مسعود عبد الوهاب على أنّ العمل على الخطاب الصوفي دراسةً وتشريحًا يتطلّب التزوّد بآليات قرائية وبحثية قد لا تكون متاحة للجميع لاعتبارات عدّة متعلقة ببنية النّص الصوفي المتراوحة دلالته بين ثنائية الباطن والوجود، إضافة إلى بنيته المزدوجة في تمظهراته الدينية والأدبية، وأشار إلى إشكالية اللغة التي تشكّل الجانب العويص فيه، فبرأيه أنّ أكثر ما يثير الخطاب الصوفي من جدل هو جدل اللغة التي تمتاز بخصوصية منفردة.


الباحثة شفيقة وعيل في محاضرتها "أنطولوجيا اللغة الصوفية: لغة التجربة أم تجربة اللغة"، تناولت اللغة والتجربة في التصوّف، فالإشكالية الحقيقية برأيها في التعاطي مع النصّ الصوفي هو في فهم علاقة اللغة بالتجربة، وتتساءل عن اللغة التي تبدو مكثّفة وغامضة، فهل هي معنى محاولة لجلب الانتباه، أو محاولة لقول شيء لا يُقال، محاولة للتميّز خارج النصّ، الخروج عن سلطة المجتمع، من
 سلطة اللغة أم ماذا تحديدا؟، وإذا كان الأمر كذلك فهل الصّوفي يجرّب في اللغة، أم يتحدّث بلغة التجربة المتعالية، وكيف يمكن أن نميّز بين تجربة تقول بلغتها، وبين نصّ يحاول أن يجرّب باللغة، وهو ما نجده منتشرًا في كثير من النصوص، خاصّة الأدبية ومنها الشعرية خاصّةً، والتي تحاول أن تتماهى مع التجربة الصوفية، فتستعمل مصطلحاتها وأساليبها وبعض أفكارها، وأسماء أعلامها، وهي ترى أنّ هناك سهولة كبيرة واسترسال في وصف أي نصّ بالنصّ الصوفي، فتتساءل، إلى أيّ مدى يكون هذا الوصف دقيقا، وكيف يمكن أن نميّز بين تجربة صوفية وبين نصّ يحاول أن يجرّب باستعمال لغة التصوّف؟

تقول أنّ الذي يستدعي سؤال اللغة والتصوّف هو ذلك السّعي إلى ابتكار نموذج جديد للكتابة الشعرية، والأدبية على العموم، كتابة تحاول أن تكون صوفية بشكل ما، وطرح نقديّ يحاول أن يصوّف أيّ نصّ يستعمل استعراضَ مصطلحاتٍ وأساليب وأفكار صوفيّة، إمّا بغير قصد بسبب التراكم، أو بقصد الدخول فيما يسمى بموجة التصوّف بوصفه ميراثا عالميا، وتعود الدكتورة إلى سيرورة الأدب العربي وتتساءل "متى وصلنا إلى الحدّ الذي صرنا نقول فيه عن أيّ نصّ هذا نصّ صوفي؟، هل كانت النصوص الصوفية القديمة تلتبس مع النصوص الشعرية أم لا؟"

عرضت الدكتورة المتنبي كنموذج بوصفه علمًا كبيرا ومدخلًا للتصور للقضية، فتقول أنّ المتنبي استعمل عبارات الصوفية وأساليبهم ولغتهم لكن لم يقل أحدٌ من النقّاد أن المتنبي صوفيّ، بل قالوا إنّه استعار من الصّوفية أساليبهم ولغتهم في استدلالٍ على قدرته على التصرّف في اللغة، ما الذي جعل النقّاد لا يقولون عنه أنّه صوفيّ ولا عن تجربته صوفيّة، وتضيف "سيرة الرجل لم تدلّ على أنّه صوفي، ثمّ إن كان هو ليس صوفيا لماذا لم يُحكم على نصوصه أنّها صوفية، لأن استعارات المصطلحات والأساليب ببساطة فيما يبدو لم تكن تدلّ على صوفيّة النّص، الذي كان يدلّ على صوفية النصّ هو التجربة، وليست اللغة التي تدجج في النّص، ولأنّ الصورة وحدها دون فكرة لا تنتج نصّا صوفيّا.

عن المتنبي واستعماله أسلوب المتصوّفة فتقول "إنها مناولات لغوية فنّية، وليست تجربة عرفانية"، وأنّ الآن الحداثة الشّعرية فتحت بالمجاز واسعا، وأن هذا منطلق من الجدلية بين التجربة الأدبية والتصوّف، خاصّة الشعر، لأن كليهما يقومان على أنطولوجيا المجاز، وهو الخط الرابط بين الإثنين.


تعود شفيقة وعيل إلى العلاقة بين التفكير واللغة، العلاقة التي أثارت جدلا فلسفيا، لكن السؤال الفعلي برأيها الذي نطرح اليوم هو عن فعل الإدراك لنفسه، فالغاية هي تلمّس اللغة بما هي تجربة إدراك للعالم لدى الصوفية وكيفية تمييز علاقة لغتهم بالتجربة المتعالية، تقول "كون اللغة نظاما تمثّليا يعني أنها تخلق بدائل لغوية عن العالم الخارجي، هناك عالمان، عالم في الخارج تعبّر عنه لغة هي نتاج تفاعل مسبق للإنسان بوصفه الفردي مع المجاز، وعالم مُسقط في أذهان المتكلّمين نفس اللغة بوصفهم مجتمعا لغويا"، وهذا يخالف الرؤية التي يطرحها هايدغر الذي يصف هذا الطرح بالتقليدي، ويقول أنّه لا يكون الكلام سوى الأداة التي يستخدمها الإنسان للتعبير عن اعتمال النفس ورؤية العالم، لكن الكلام برأيه هو أكثر من ذلك، هو متكلّم، لأن اللغة كينونة في ذاتها، وتتكلّم به، أيّ بالإنسان، فاللغة ليست أداة، هي كائن، يقول من خلال اكتشاف الإنسان للعالم، فكلّ منّا هو مسهم لحدّ ما في اكتشاف العالم وفي صنع هذه اللغة التي هي تتجلى فينا جميعا"،
وفي هذا السياق تستحضر ما قاله هايدغر "ينبغي الكفّ عن اعتبار الألفاظ أشياء قائمة في الأعيان وإعادة الألفاظ إلى الوجدانيّ الذي تصدر عنه"، وتتساءل "إذا كان المجازُ حالة أنطولوجية في اللغة والتجربة، كيف نميّز بين مجاز من التجربة الصوفية ومجاز ينهل من تجربة غير صوفية، مادام الرابط بين التصوّف وغيره هو المجاز، وترى بأنّ ما نراه في الساحة، خاصة النقدية، هو نوع من خبط العشواء، وأنّ كلّ نصّ فيه جبّة الحلّاج أو بئر سيدنا يوسف عليه السّلام، أو أيّ معنى أو اسم أو رمز صوفيّ، يقال ما هذه الصوفية التي في هذا النّص!!، وتقول أنّ المسألة أكبر من الحكم على استعمال المصطلح، تضيف "الذي أراه وبخصوص المتنبي، أنّ الأمر ينسحب على أيّ نصّ أدبيّ استعار التصوّف وأساليبه ولم يستند إلى رؤية الوجود،... ابن عربي نقول أنّه متصوّف لأنّ له رؤية كاملة، نحكم على ابن العربي بأنه صوفي لأنّ له تاريخا صوفيّا، له رؤية مكتملة صوفية، لأنّه أسّس لغةً تخصّه هو"، فالأمر إذن يحتاج إلى دائرة تصوّف، رؤية دينية أنطولوجية تعبق من التصوّف، وتنشئ لغتها الخاصة.

ترى بأنّه من حيث التصور الأنطولوجي، الألفاظ التي يستعملها الصوفي إلى لغة الحسّ لكن بحمولة أنطولوجية مختلفة، كأن يقول شيئا ولا يعني ما يعرفه الناس عنه، فالمعنى بحدّ ذاته عندهم ذو حمولة أنطولوجية غير متعيّنة حسيّا، لكن المتعيّن هو المدلول الموجود في الحسّ الذي ربطنا اللفظة به، واتفقنا على تسميته بها في نطاق سلطة الجماعة، وتقول "مادام صوفيّا فينبغي أن تقطع العلاقة بين الحسّي وبين ما عنده وأن تقول سأبحث عن المعنى الذي يريده لأنّه يستحيل أن يريد هذا المعنى، فنبحث عن الرسالة التي يقصدها"، بمعنى أنّ الألفاظ تمتلك حقيقة أخرى في معناها الصوفي وبذلك تصبح مجازية في معناها الحسّي.

تختم الباحثة شفيقة وعيل مداخلتها بالقول"على النّص أن يكون على الأسس الذي ذكرَتها، وهي النظر في المسار السلوكي على الصوفي المبدع، واستخراج رؤية وجود كليّة تنبثق من التصوّف، والبحث عن حركية المجاز بين مستويين صعودا ونزولًا، حتى نستطيع تمييز نوعية التجربة من تجربة أخرى".


أمّا المداخلة الثانية للدكتورة رشا روابح "عارف في مرآة عارف، عفيف الدين التلمساني قارئًا لابن العربي"، تقول رشا أنّ الدافع الأساسي لاختيار هذا الموضوع هو محاولة إخراج عفيف الدين التلمساني من عزلته التي طال أمدها في المجال التداولي العرفاني الجزائري، وإرجاعه إلى أرضه، فقد تلقّفه القوم من هنا ومن هناك وزهد فيه أهله من أهل الجزائر، فهو شخصية جزائرية تتميّز باستقلالية فكرية معرفية متفرّدة رغم تتلمذه المباشر للشيخ الأكبر ومجالسة مجلسه.


ترى رشا بأنّ البحث العرفاني يحظى اليوم بحيّز كبير من اهتمامات الباحثين، على اختلاف انتماءاتهم وأيديولوجياتهم، وأنّ محي الدين بن العربي يتبوّأ الصدارة في هذا الاهتمام وهذا راجع لما قدّمه لهذا الحقل كمّا وكيفًا، حتى صار اليوم يشكل تخصصا قائمًا بذاته، فقد أُسست حول تراثه مؤسسات ومراكز أبحاث وجمعيات علمية تعتني بتراثه وتقام حوله سنويّا مؤتمرات علمية دولية، وأنّ هذه المكانة ليست جديدة وقد لازمته منذ حياته، لدرجة ابن تيمية رحمه الله يقسم تاريخ التصوّف إلى
 التصوّف ما قبل ابن عربي والتصوف ما بعد ابن عربي، ونجده يتقبّل إلى حدّ بعيد مقولات الصوفية للمرحلة الأولى ولا يكاد يكفّر صوفيّا باستثناء الحلّاج ومن كان على شاكلته، في حين نجده يكفّر بالجملة متصوّفة المرحلة الثانية وعلى رأسهم ابن سبعين وابن العربي وابن الفارض واستهدف بشكل خاص التلمساني، كما ترى أنّ هذا الاهتمام المتزايد الذي نشاهده اليوم بالتصوّف عموما وبالمدرسة الأكبرية بشكل خاص يعود إلى عدة أسباب على رأسها الاهتمام الفكري المعاصر بعالم اللغة والإشارات، وأيضا بالخطاب الإنساني الكوني وكذا البعد المعنوي والروحي في الإنسان، ويحظى ابن العربي بالاهتمام الأكبر كونه يختزل في تجربته الفكر العرفاني التي جسّدت مضامينه أهمّ ما تنشده الإنسانية اليوم ويشمل اهتمامها موضوع وحدة الإنسان، وحدة الدين، والاعتراف بالآخر وتجاوز فكرة الخلاص الفردي وحقوق المرأة ومركزية الإنسان وغيرها من القضايا المعاصرة التي تمخّضت عن حركة الحداثة، والتي وجدت الكثير من الإجابات التي يمكن وصفها إلى حدّ ما أنّها حاسمة في مجال التداول العرفاني، مع الكثير من التحفظ لأن هناك بعض القراءات التي تقرأ النصوص العرفانية مجتثة من سياقاتها أو بعبارة أخرى تريد أن تفصل بين الحقيقة والشريعة، وبين الظاهر والباطن وهذا ما أدّى إلى ظهور ما يسمّى بموضة التصوّف الفارغة من التشرّخ، وهذا برأيها أيضا ورم آخر لصق بالتصوّف يتطلّب استئصاله.

تمحورت إشكالية مداخلتها بسؤال أساسي مفاده "هل قراءة التلمساني لابن العربي قراءة بعين ابن العربي نفسه، يعني على طريقة أصحاب المناقب وكتابة المريدين عن شيوخهم، أم أنّها قراءة لابن العربي بعين التلمساني؟"، تقول رشا بأنّ ما يجيبنا عن هذا السؤال هو قراءة متأنّية لشرح فصوص الحكم بشكل خاص وكذلك الاطلاع على منهجية التلمساني عموما.

المحور الأول للمداخلة عرضته الدكتورة كنبذة حول الشيخ عفيف الدين التلمساني لأنه برأيها غير معروف مقارنة بالشيخ الأكبر، حيث ذكرت أهم محطات حياته بين تنقله إلى دمشق وآسيا الصغرى وبلاد الروم وخلوته فيها، وكذلك حضوره مجلس سماع كتاب الفتوحات المكية لابن العربي، والمحور الثاني قراءة التلمساني لابن العربي ومميزاتها ومميّزات مذهبه بشكل عام.

يعتبر التلمساني أنّ كلّ من ابن العربي والقونوي شيخان له، وقد بيّن القونوي مقدار الحظوة التي خصّ بها التلمساني من بين تلاميذه، حيث أوصى بكتبه كلّها له، تقول رشا "يلحظ قارئ العفيف أنّ النفري هو معلّمه الحقيقي، وإن لم يتمّ بينهما اللقاء غير أن نفَس المواقف النفرية سارٍ في جميع مؤلّفات عفيف الدين، فقد شكّل كتاب المواقف أساس المنظومة المعرفية والعرفانية للعفيف، حيث كان كثير الإحالة إلى مواقف النفري في مؤلفاته، بل كان يرجح كلام النفري على كلام ابن العربي وهو يشرح كلام ابن العربي في الفصوص، وكان يرى بأنّ ابن العربي هو خاتم الأولياء، وأن النفري مثل أويس القرني لم يعرّف الله الناس به كثيرا وأن كليهما كنز يُدفع بهما البلايا عن عباده".

كان العفيف بارعا في شرح أدقّ المتون العرفانية من طراز المواقف للنفري وفصوص الحكم لابن العربي وغيرها، له أيضا رسالة في علم العروض وله ديوان شعري وهو من أكثر كتبه حضوةً بالاهتمام إلى جانب شرحه لمنازل السائرين، حيث لقي ديوانه إعجابا وتقديرا أدبيا حتى من أشرس أعدائه، حيث يقول عنه الذّهبي "إنّه أحد زنادقة الصوفية وأمّا شعره ففي الذروة العليا من حيث البلاغة والبيان لا من حيث الإلحاد"، ويشبّه ابن تيمية ديوانه بلحم خنزير في طبق صيني.

وأشارت الدكتوره رشا إلى الكتابين الذين حُقِّقا للعفيف مؤخّرا في اسطنبول، كتاب "معاني الأسماء الإلهية" وكتاب "شرح الفاتحة وبعض سور البقرة"، وشرحه هذا كان بداية لمشروع تفسيري عرفاني ضخم لم يكتمل.


بالنسبة لمعارضيه، تقول رشا أنّ عفيف الدين التلمساني اُبتلي بالإنكار، شأنه شأن شيخه بن العربي، لكن بصورة أكبر لأنّه كانت له جرعة زائدة في الجرأة العرفانية، وفي طرح المسائل، وأوّل من تزعّم حملة الإنكار على عفيف التلمساني هو ابن تيمية، ثمّ كلّ من كفّر التلمساني أسّس كلامه على رأي ابن تيمية.

وعن مذهبه العرفاني وشرحه للفصوص تقول الدكتورة رشا روابح بأنّ التلمساني يتميّز بأصالة الطرح واستقلالية الفكر، حيث لم يكن أثناء شرحه للمتون العرفانية التي تناولها مجرد ناقل وشارح لمصطلحات صوفية بل كان ناقدا متمرّسا، وهذا ما نلمسه في شرحه للفصوص، حيث لم يكن يشرح كلّ الكتاب كغيره من الشُرح، اقتصر على شرح المطالب الغامضة في زمانه، وعلى المواضيع التي فيها رأي مخالف لرأي شيخه الأكبر، وقد أشار في شرحه بأنّه سيواصل شرح بعض المسائل والأمور قولا لا كتابةً حتى لا يُساء الأدب مع شيخه ابن العربي ومراعاة لمقامه، وهذا من تجليات الأدب الذي كان يتميّز به التلمساني، وتضيف أنّه أوّل من طرح فكرة الأسفار الأربعة في السير والسلوك، هذه الفكرة التي اشتهر بها فيما بعد الملا صدرا صدر المتألهين الشيرازي الذي ألّف كتابه المعروف "الأسفار الأربعة في الحكمة المتعالية"، وأنّها فكرة تلمسانية وليست شيرازية كما يروّج لها.

عن مذهب العفيف أيضا تقول رشا أنّه يقوم أساسا على مقولة الوحدة المطلقة وهذه الفكرة التي يُنتقَد عليها كثيرا، ففي كتابه مثلا "شرح الفاتحة" غالبا ما يتناول مسائل الوحدة والتعدّد في إطار الأسماء الإلهية، فهو يرى أن الوحدة المطلقة هي الأصل، لكن القرآن والسنّة بُنيا على أساس التعدّد مراعاة لعقول الناس، لأنّ الوحدة المطلقة تُعجز مدارك أغلب الناس، وقوله هذا مؤسّس على فكرة أخرى أيضا تميّز بها عفيف التلمساني وهي أنّ رؤيته ثلاثية للعرفان، علم وعرفان وتحقيق، وهي أطوار معرفية يقوم على أساسها تصنيف المسائل والخطابات العرفانية، وبسبب هذه الثلاثية اعتبر ابن تيمية ابن العربي أقرب محقّقي الصوفية للإسلام، واعتبر التلمساني أبعدهم.

العفيف يعتقد في نظريته التي تتأسّس على اسم الله الهادي، يصرّح بها في سياق تفسيره لقوله تعالى "اهدنا الصراط المستقيم"، أنّ كلّ الأسماء الإلهية تدور حول اسم الهادي، وأن الهداية تجري في كلّ شيء، وأن جميع أفعال الإنسان ترتكز على اسم من الأسماء الإلهية، هذه الرؤية المؤسّسة على مبدئين عرفانيين أساسيين لدى التلمساني ونجدهما أيضا عند غيره، لدى المدرسة الأكبرية بشكل خاص، ويصرح بها كذلك الأمير عبد القادر في مواقفه، وهي كلّ شيء في كلّ شيء، وأنّ كل اسم في كلّ اسم، وحدة مطلقة.

ما يميّز التلمساني حسب رأي الدكتورة رشا أنّه مع احترامه وتبجيله الكبير لشيخه ابن العربي غير أنّه لم يكن منبهرا به، ولم يقدّسه كما نلمح ذلك في رواد المدرسة الأكبرية، فقد كان موضوعيّا جدّا في تعامله مع شيخه، بل وكثيرا ما يعترض عليه، لكن بمنتهى الأدب اللفظي والمنهجي، فأحيانا يترك بعض المطالب الغامضة في الفصوص بدون توضيح ويقول "ولست أقول إن هذا الفصل يستغني عن البيان لكنّي لا أبيّنه مشافهةً أدبًا مع شيخي رضي الله عنه"، كما يعتقد العفيف على خلاف شيخه الأكبر وأتباع مدرسته بتعدّد ختم الأولياء، كما يختلف مع المدرسة الأكبرية في القول بوجود مرتبة وجودية متعلقة بالأعيان الثابتة، المرتبة البرزخية بين الوجود والعدم، عفيف الدين يفترض أنّه ليس بين الوجود والعدم واسطة، والعفيف وإن خالف الشيخ في بعض المواضع لكنّه قد وجّه كلام الشيخ وهذا لأدبه، فيقول "وهو عندي معذور، لأن أهل الفهم كلّهم عجزوا عن إدراكه".



تختم روابح مداخلتها بالقول "عفيف الدين التلمساني ظاهرة عرفانية لا بدّ أن نعيده إلى جزائريته، إلى أصله، يفترض أن تُكوّن فرق بحث حول عفيف الدين لأنه ليس مجرّد عارف، هو ينسب إلى المدرسة الأكبرية لكن له مذهب خاص، يمكن أن يكوّن مدرسة عرفانية مستقلة خاصّة به، والمؤسف أن لغته الرمزية والإشارية أبقت تجربته حبيسة مجال تداولي نخبوي ضيّق، ولم تخرج من هذا المجال، وتعذّر نشرها في نطاق واسع".



الخميس، 13 فبراير 2020

نظّمه قسـم العلوم الإنسانية بمساهمة نادي خطوة حرة، الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي خلال القرنين 19و20م محور ملتقى وطني بجامعة زيان عاشور بالجلفة

- رئيس الملتقى الدكتور عبد القادر قوبع: إعادة نقد وتقييم وتجديد الحركات الإصلاحية صار أمرا لا بدّ منه.
-  الدكتور الطيب بلعدل: نحتاج إلى فهم الحركات الإصلاحية في تلك المرحلة حتى نفهم حركات التجديد الحديثة.




نظّم قسم العلوم الإنسانية بمساهمة نادي خطوة حرة بجامعة زيان عاشور بالجلفة ملتقى وطني موسوم بـ (الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي بين القرنين 19و20م، المشارب والآفاق)، حيث افتتحا رئيس الجامعة وعميد كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية الملتقى، ليليهما رئيس الملتقى الدكتور عبد القادر قوبع مُعرّفًا بأهداف الملتقى ومحاوره وبالكتاب الجماعي لأشغاله الذي وُزّع على المشاركين قبيل انطلاق ورشاته، والذي جاء في 500 صفحة وبـ 37 مداخلة علمية، كما أشار في كلمته إلى أنّ هذا الملتقى جاء استجابةً لتوصيات الملتقى الذي ترأسه عام 2016 (الفكر الإصلاحي الجزائري المعاصر)، حيث توسّع في طبعة 2020 إلى مختلف مناطق العالم الإسلامي، وتركزت إشكالية البحث حول أسباب فشل الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي، وأسباب التنكّر لجهودها وإنجازاتها لصالح العمل السياسي أو العسكري.
انطلقت الجلسات العلمية في أربع ورشات تميّزت بتنوّع المشاركات بين طلبة الدكتوراه والأساتذة الذين قدموا من مختلف الجامعات عبر الوطن على غرار الجزائر العاصمة والشلف والمسيلة والوادي وغرداية وأدرار والمدية والبليدة ووهران والبيّض  وتيزي وزّو وخميس مليانة وتيارت وغيرها، ومن تخصصات مختلفة كالتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والفقه والتفسير والعلوم السياسية.
دارت أغلب المداخلات حول المرجعيات الثقافية والدينية والاجتماعية للحركات الإصلاحية، وكذا أهمّ المظاهر والوسائل، إضافة إلى دراسات نقدية أو مقارِنة للمجهود الإصلاحي في مختلف البلدان الإسلامية كتركيا، مصر، الجزائر، المغرب، تونس، افريقيا ما وراء الصحراء.
جاءت مداخلة الدكتور قراش عبد الرحمان من جامعة الجلفة أفريقية بامتياز، بعنوان "الحركة الإصلاحية في غرب أفريقيا، حركة الشيخ عثمان دان فوديو 1754-1817"، أما الدكتور الشافعي درويش من جامعة غرداية فتطرّق في مداخلته إلى الحركة الإصلاحية في تونس خلال القرن 19، ومحاولات التحديث التي أشرف عليها الوزير التونسي خير الدين باشا، أما مداخلة الدكتور معمر قول من جامعة وادي سوف بعنوان "زحزحة الثوابت والأصول وأثره في ظهور الحركات الإصلاحية، حركة بديع الزمان سعيد النورسي 1876-1960 في تركيا "، هذه الحركة التي أجمعت الدراسات الأكاديمية على دورها الكبير في محافظة المجتمع التركي على هويته وعمقه وسلامه الروحي، رغم ما تعرّض له من صدمة التغريب التي تبّنتها الكمالية التركية، أما الدكتور محمد عيساوي من جامعة المسيلة اتّجه للبحث في إسهامات العلماء المحقّقين المعاصرين في تحقيق التراث الإسلامي، وخدمة قضايا الإصلاح، من خلال جهود العلّامة المحقّق عبد الفتاح أبو غدة(1336-1417هـ)، خاصة في مجالات التراث والحديث والمخطوط، أما الدكتور نور الدين باب العياط من جامعة الشلف فبحث في مداخلته علاقة التفسير بسؤال التجديد في الخطاب الإصلاحي من خلال كتابات الأفغاني ومحمد عبده، في حين جاءت مداخلة الدكتور ميلود فضة من كلية الآداب بجامعة الجلفة حول الشعر الإصلاحي الجزائري الحديث وقضاياه الموضوعية، بدراسة واستعراض أشعار محمد العيد آل خليفة ورمضان حمود، واستعرضت الدكتورة عمران حدة من جامعة الجلفة المنهج التربوي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعناصر التميّز والجدّة والقوة فيه، باعتبارها نقاط النهوض الحضاري والتصدّي للمشروع الاستعماري الفرنسي التغريبي.
اتجهت محاضرات أخرى في مختلف الورشات المُنظَّمة للبحث في الأرشيف الفرنسي مثل مداخلة الدكتورة قراوي نادية من جامعة سعيدة بعنوان " النشاط الإصلاحي للشيخ البشير الإبراهيمي في منطقة مستغانم من خلال الأرشيف الفرنسي"، الدكتور أحمد شارف من جامعة الجلفة تطرق في مداخلته إلى سيرة المصلح والمفكّر محمد الغزالي من خلال خصائصه وقضاياه.. مدافعًا عن البعد العقلي والهدوء الذي عُرف به الشيخ الغزالي واهتماماته الحضارية، أما طلبة الدكتوراه فتميّزت ورشاتهم بالتطرّق لأعلام الإصلاح مثل مداخلة الأستاذة قليل رحيمة حول الشيخ حمدان الونيسي، الذي يُعتبر الأب الروحي والملهم لرجال جمعية العلماء المسلمين، ومداخلة الأستاذ حسن بربورة من جامعة المدية حول إصلاحات الصدر الأعظم مصطفى رشيد باشا في الدولة العثمانية ومحاولاته التحديثيّة، ومداخلة عمر بوزيدي حول دور شكيب أرسلان في الحركة الإصلاحية بتونس، ومداخلة الأستاذ محمد علي مساعد حول المشروع الإصلاحي والفكر النهضوي لمحمد بيرم الخامس التونسي.
يقول رئيس الملتقى الدكتور عبد القادر قوبع للحوار"يقول المثل: ينتبه الناس لسقوط شجرة واحدة في ثانية ولكنّهم لا ينتبهون لنمو آلاف الأشجار خلال سنين في هدوء وسكينة، هذا هو حال الحركات الإصلاحية التي شهدتها مختلف مناطق وبلدان ومجتمعات العالم الإسلامي، الحاجة اليوم ملحّة لإعادة الاعتبار للدراسات التاريخية الثقافية والفكرية والدينية وإضعاف حالة المركزيّة التي تتمتّع بها الدراسات التاريخية السياسية والعسكرية الثورية" ويضيف "لقد تحقّق الاستقلال العسكري والسياسي ولكن التخلّف لا زال يفتك بالمجتمعات الإسلامية للأسف الشديد، إذن إعادة نقد وتقييم وتجديد الحركات الاصلاحية صار أمرا لا بدّ منه"

ويقول للحوار أستاذ البلاغة بجامعة الجلفة الدكتور الطيب بلعدل الذي حضر الملتقى "الملتقى كان في القمّة من جهة ثراء موضوعاته التي غطّت كلّ متعلّقات الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي، وأغلب المواضيع كانت مرتبطة بالمحاور التي أعلن عنها منظّموا الملتقى، ومشاركة مختلف الجامعات كان ملحوظا، وثمّة موضوعات طرقت لأوّل مرة في هذا الملتقى، كما أن طبع العمل وتسليمه قبل الانطلاق هو بادرة حسنة"، وعن الاستفادة من الحركات الإصلاحية في تلك الفترة ومن هكذا ملتقيات تناقشها يشير بلعدل إلى أنّ " حركات التجديد الحديثة وحركات التنوير تحتاج إلى فهم هذه المرحلة، أو أنّنا نحتاج إلى فهم الحركات الإصلاحية حتى نفهم حركات التجديد"
أكّد المشاركون في اختتام الملتقى من خلال التوصيات على ضرورة تثمين الملتقى وترسيمه في طبعات لاحقة، وترقيته إلى صبغة دولية، وتشجيع الطلبة على الدراسة والبحث في مجال الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي عامة والجزائر خاصة، وكذلك تفعيل مشاريع وفرق بحث في هذا المجال، وإبراز دور النخب المحلية والوطنية في الحركة الإصلاحية، وأيضا الاهتمام بدراسة وتحقيق المخطوطات المتعلقة بالإصلاح محليا ووطنيا، كما تمّ التنويه بطبع أعمال الملتقى الذي ضمّ 37 مداخلة علمية من بين المداخلات المشاركة في الملتقى، والتأكيد على ضرورة طبع الجزء الثاني الذي يضم بقية المداخلات،  والتأكيد على استمرار ذلك في الطبعات اللاحقة.












الخميس، 3 يناير 2019

في ندوة علمية بجامعة الجلفة، البروفيسور حبيب مونسي : مشروع مالك بن نبي لم يُقرأ بعد، والذين قرؤوه.. قرؤوه من زاوية التمنّي لا من زاوية التطبيق الفعلي



في ندوة علمية نظمها نادي خطوة حرّة ونادي الوعي الحرّ حول الفكر والأدب والنقد بجامعة الجلفة
البروفيسور حبيب مونسـي:
مشروع مالك بن نبي لم يُقرأ بعد، والذين قرؤوه.. قرؤوه من زاوية التمنّي لا من زاوية التطبيق الفعلي

- من يرى الدّين عائقاً أمام الفكر.. هو العائـق
- الجامعة الجزائرية أحدثت قطيعة بين التخصصات، والجزر المتقاطعة التي أحدثناها في المعرفة صنعت جهلا مركّبا
- تغوّل الرواية على ما يحيط بها من معارف جعل منها مادة ذات بُعـد خطـر
-  فصول الكثير من الروايات الجزائرية عبارة عن قصائد نثرية طويلة.
- الشعر صار مسجونا بين صوتين، صوت نزار وصوت درويش   .

 منيـر سعـدي

نظم نادي خطوة حرّة ونادي الوعيّ الحرّ بجامعـة الجلفة ندوة علميّة مع الكاتب والناقد البروفيسور حبيب مونسي، كانت بداية الجلسة بعرض بورتريه حول الضيف من إعداد الصّحفية هبة بعيطيش والتي قدمت فيه أهمّ محطات حياته كباحث أكاديمي وككاتب وناقد، ثم دار النقاش بعدها على شكل أسئلة طرحها منشّط الندوة حول عدّة محاور جاءت كالتالي " الهم الفكري العربي، الفن والأدب العربي من منظور نقدي، أزمة العقل النقدي العربي، الإعلام كقوّة ناعمة، ثلاثية الجامعة.. الثقافة والمثقف "

في ردّه على سؤال " أيّ درجة يمكن أن نمنحها للهمّ الفكري العربي في سلّم الهمّ العربي ؟، قسّم البروفيسور حبيب مونسي مسألة الفكر العربي إلى ثلاث مواقف، يحاول الموقف الأوّل الالتزام بالتراث والتشبّث به وكأنه يتشبّث بقشّة في سطح الماء وسيغرق بتركها، وموقف وسطيّ يحاول أن يجعل من نفسه تلك الحلقة الواصلة بين ماض ومستقبل، وأنه بإمكانه أن يأخذ من الماضي ما يشاء من العناصر الحية التي يمكن أن يعيد بها بناء المستقبل، وأنه بمستطاعه أن يمدّ يده للغرب ويأخذ ما يشاء من الأدوات والمناهج وأن يطوّع كلّ هذا لخدمة واقعه الذي يقف فيه، وموقف ثالث رافض ويرى التراث باعتباره تلك السلسلة التي تقيّد الانطلاقة وأنه يجب فكّ الترابط بينه وبينها وأنه يجب الانطلاق من نقطة معينة وهي أن نأخذ من الغرب كما قال طه حسين حلوه ومرّه، أما عن موقفه هو، يقول حبيب ( إذا زعمت أنني من أهل التراث فمعنى ذلك أنني أدعو إلى أن يتخلّف الركب قليلا وأن يشقّ طريقا موازيا للتيار الغربي وأن يكتب مادته المستقبلية انطلاقا من هذا التراث وهذا وهمٌ يجب أن نفكّك قواعده التي يُبنى عليها، وإذا زعمت أنني من أهل الوسط الذي يستطيعون أن يقوموا بعمليات تلفيقية وليست توفيقية بين فكرين مختلفين فهذا وهمٌ كذلك يجب تفكيك قواعده التي يقوم عليها، وإذا قلت أنني أنتسب إلى الطرف الثالث وهو الطرف الذي يقطع صلته بالتراث هذا كذلك وهمٌ لأن هذا الوهم يقوم على نفي الهويّات والأصوليّات، والبدء من جديد على قاعدة لا يمتلكها أساسا !، لأن هذه القاعدة ستكون مفروضة عليه من طرف آخر، وأن كل المثقفين العرب يتخبّطون بين هذه الأطراف، والسؤال المطروح الآن، هل هناك من مخرج من هذه الأطراف الثلاث ؟، مشكلتنا الآن مع مفكّرينا.. ماذا صنعتم ؟، وكل المفكرين العرب ابتداء من الجابري وانتهاء إلى حسن الحنفي، الذين قرؤوا الفكر الغربي وهضموه ومن قراءاتهم تولدت لديهم قناعات أن لا مخرج للأمة العربية والإسلامية إلا باتّباع طرق التفكير الغربي، وأننا سنصنع في تراثنا مثلما صنعوا وهو أن نعيد قراءة التراث من جديد، أن نعيد ترتيب الأولويات فيه وأن نزيح منه الأشياء التي لا تخدم واقعنا ولكن هؤلاء هم نخبة النخبة ولا يقرأ لهم إلا القلّة وأن كتبهم لا تأثير لها في الواقع، فقلّة تكاد تكون منعدمة من مازالوا متمسكين بمشروع الجابري، أما الوسطيّون فيمثلون حلما وهو الحلم الذي كان موجودا في جماعة الإخوان المسلمين، كما تحدث مونسي عن مشروع مالك بن نبي وقال بأنّه لم يُقرأ بعد ومن قرأوه قرأوه من زاوية التمنّي وليس من زاوية التطبيق الفعلي، ولم يخرجوا بالمشروع من إطار الكلمات إلى إطار الأفعال، وأضاف حبيب في السياق نفسه ( إذا امتلكنا الشجاعـة بحيث لا نقصي جانبا عن جانب، ساعتها سنمكّن لهذا التراث القديم أن يحضر وسنمكّن لهذا المستقبل البعيد أن يكون مشروعا حقيقيا )

اعتبر الدكتور حبيب أن سبب انتكاسنا راجع أيضا للتصنيف العجيب الذي صُنّفت به مكتبتنا، فقيل لنا هذه كتب الدين وهذه كتب الأدب وهذه للتاريخ.. إلخ، فيعيش أولادنا محصورين بين كتب التخصص الدراسي، فصار كلّ واحد محروما من أن يقرأ خارج تخصصه، الأصل أن تصنّف مكتبتنا على أديم واحد ويقال هذا كتابٌ في المعرفة، يقول مونسي ( فقد وجدتُ في كتاب الشاطبي في الاعتصام من النظريات اللسانية ونظريات التواصل ونظريات الإعلام ما لم أجده في كتب الإعلام!)، وهذا برأيه ما تعانيه الجامعة أيضا، والتي صنعنا فيها قطائع بين المعارف، وأن الجزر المتقاطعة التي أحدثناها في المعرفة أحدثنا جهلا، أو كما يصفه روني غينون " المعرفة الجاهلة "، فنحن لا نعرف كيف نثمّن هذا الجهد لأن هدفي هو تحقيق النُقلة، فبرأيه إذا لم يحقّق الفكرُ نُقلةً لا نستطيع أن نضع له درجة في سلّم درجات الهمّ العربي، فنحن مازلنا في الدرجة الأولى أو الثانية من عشرة!، وأضاف قائلا( لكنّ شجاعة أبو الحسن الندوي لما طرح " ماذا خسر العالم من انحطاط المسلمين " أنا أطرحه مجددا " ماذا يخسر العالم بعدم اجتهادي أنا)

وفي إشكالية تأثّر الفكر العربي بالفكر الغربي وإمكانية التخلّص من الانبهار به، قال البروفيسور حبيب مونسي أننا نعيش حتمية تاريخيّة كما عبّر عنها ابن خلدون بأنّ المغلوب مولع بتقليد الغالب، وهذه سنة من السنن الكونية التي توجد في جميع المجتمعات، وأنّ هيمنة الثقافة الغالبة لا تتمّ لأنها تمتلك الجواب الشافي لمطالب الإنسان، فقط تُهيمن لأنها تملك الداعم الذي يجعلها مُهيمنة، وأن أيّ حراك ثقافي يحدث في العالم لا يكون بمعزل عن الاقتصاد الذي يدعمه، فاللغة لا تنتشر لأنها لغة تمتلك جميع إمكانيات اللغة الجميلة المتينة القويّة وإنما تنتشر اللغة لأنها تمتلك قاعدة اقتصاديّة تدعمها، وضرب مثالا عن اللغة الانجليزيّة وربط قوتها بالداعم الاقصادي ثم المحمول العاطفي الذي تحمله، وكيف من قرؤوا التراث بلغة الآخر لم يستطيعوا الفلات من سحر اللغة ومن كيدهـا

وفي حديثه عن التراث والفكر، يرى مونسي أن استعمال أدوات الآخر في قراءة تراثنا سيجعله مبدعـا، لأن هذه الأدوات برأيه أصبحت ذات فاعلية في عصرنا الحالي، وأنّه إذا أردنا أن نحيي ما بين أيدينـا ليس مطلوبـا منا أن نكرر تجربة طه حسين والعقاد وغيرهما، وهؤلاء اشتغلوا في أزمنتهم.. نستفيد منهم ولكن نحن الآن مطالبين بالانتقال إلى الجانب العملي، إلى جانب الأفعال أو كما أسماها " فلسفة الفعل "، حينما تتحول الكلمة إلى فعل.
وفي ردّه على سؤال إذا كان الدين يعطّل الآلة الفكرية باعتبار العلوم الشرعية غير ذات قيمة في تأسيس الحضارة، يتحدث مونسي عن إشكالية الخلط بين الدين والتديّن، حيث يرى أنّ الدين واحد من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة وهو ما  أراده الله سبحانه وتعالى، والتديّن ما نطبّقه نحن من ديننا في حياتنا، والتديّن ليس مقدّساً، إذن لا نأت إلى الدين ونعتبره عائقاً، فالدين هو التصوّر النظري لتلك العلاقة بين العبد وربّه، أما التديّن درجات، ويقول " ما تتصوّره أنت بأن الدّين هو العائق.. لا، أنت العائق "

في  محور " الفن والأدب العربي من منظور نقدي "، كان رأيه جريئا وجارحاً، حيث يرى أن هناك من أحدَث خصومة مفتعلة بين الناقد والمبدع، وأن الرواية الآن صارت تتغوّل على ما يحيط بها من معارف وهذا ما جعل منها مادة ذات بعد خطر، وأنه كنّا ننتظر من الرواية أن تأخذ من المسرح طريقة الإخراج المسرحي وأن تأخذ من السينما طريقة الإخراج السينمائي، وأنّ الروائي الذي يكتب بمقدوره أن يأخذ محلّ الكاميرا ويأخذ تقنياتها، وأن هذه العملية بدأت بالفعل مع الرواية الحديثة ثم تخلت عن هذه الوظيفة لأنّ همّهـا صار مختلفاً، وضرب مثالا عن الرواية التاريخية، وقال أن ما يحدث الآن هو أن يتدخّل الروائي في الحدث التاريخي ونحن نعلم أن الحدث إذا وُثّق بوثيقة لا يجوز المساس بها، وأن هناك روائيّون عبثوا بالتاريخ، وأشار إلى رواية تاريخية جزائرية ذكر فيها صاحبها معلومات تتنافى تماما ووثائق تاريخية!
تحدث حبيب مونسي عن الرواية الجزائريّة تحديداً والتي يرى بأنّها تتسّم في غالبيتها بقول أشياء لا معنى ولا ضرورة لها بداع الجرأة، والجرأة لا تعني أن تقول كلّ شيء، وضرب أمثلة عديدة توضّف التفاهة على أساس أنها عمل أدبي!، حيث قال أن الواحد يخجل من أن يضعها في مكتبة البيت واعتبرها مسخاً، واعتبر حبيب أن تناول بعض القضايا يحتاج إلى إشارة يفهم منها اللبيب ما تريد قوله، أما أن تتحول الرواية إلى مستنقع فهذه مشكلة كبيرة، كما يرى أن أغلب من يكتبونها في الجزائر ليسوا من حقل الأدب، وأن غالبيتهم من الإعلام، ومشكلتهم أنّهم كتبوها في غفلة عن مقاييس النقد وكيف تكون الرواية يقول " أطالب هؤلاء على الأقل أن يسترقوا النظر إلى كتب النقد حتى يؤثثوا هذا الجانب"، في المقابل أشاد حبيب بروائيين شباب قال أنهم يكتبون الرواية باقتدار كبير وبلغة صافية جميلة جدا وبأدب فيه توقير كبير للقارئ ويقول " نتمنى من هؤلاء أن يجدوا من النقاد من يوصل كلمتهم إلى القراء، من يدلّ القراء عليهم، هم قلّة، لكن موجودون "

وعن رأيه في التجربة الشعرية لدى شعراء اليوم، يرى مونسي أن كلّ الذين يكتبون الآن القصيدة ذات البعد الثوري درويشٌ وراؤهم، وكلّ الذين يكتبون الآن القصيدة الغزليّة نزارٌ وراؤهم، فيقول " صار الشعر مسجونا الآن بين صوتين إثنين ينتظر من يخلّصه من هذا السجن، صوتان الآن يهيمنان على الشعر العربي ..صوت درويش وصوت نزار"، وأن كثير ممن كتبوا القصيدة النثرية والشعر الحرّ تحوّلوا إلى الرواية ومشكلتهم أنهم حملوا معهم قصيدة النثر وصارت كلّ فصول الرواية عبارة عن قصائد نثريّة طويلة، فصار بذلك استسهال العبارة والجري وراء الترغيب الداخلي أن تتحول الرواية من سردّ الحدث إلى سرد الخواطر، وصارت الرواية " أدب الاعتراف "، أو كما أسماه أيضا " ترهّل الرواية "

تحدث مونسي عن الكتابة الصحفية واعتبرها كتابة تكييف، وأنه لا يمكن أن نتصوّر أن الصحّفي يمكن أن يكون في لحظة من لحظات حياته مستقلّا، فهو مُجبرٌ أن يكتب داخل نسق المؤسسة التي ينتمي إليها، فنحن لسنا كالغربيين حينما يكون الصحفي له شهرته العالمية يستطيع أن يكتب عموده الخاص في هذه الجريدة يسارية كانت أو يمينية لأنه هو له نسقه الفكري واتجاهه الخاص، نحن لم نبلغ هذه العتبة، وأنّ الكتابة الصحفية اليوم مطلوب منها تدجين القارئ، وتقديم الخبر من زاوية معينة أو أخرى، الحدث هو الحدث، لكن طريقة الرواية ما تجعل الآخر يقبل هذه الرؤية، وهنا تتحول الكتابة إلى هذا الفعل الناعم مهمته تغيير المواقف، وأنّ أخطر ما في الكتابة الصحفية أنها تحاول أن ترغمك على قبول شيء وأن تفسّر لك ذاك الشيء بطريقتها الخاصّة.

وفي إجابته على السؤال المتعلق بكيفية جمعه بين اتجاهين مختلفين، نزعة المحافظين والتمسك بكل مقومات التراث والكتابة الروائية وما تفرضه من عوالم، يقول حبيب " لا أدري إن كنت نجحت في هذا التوفيق بين الأمرين، أنا أسميته تلفيقا، لأني مازلت أعيش القلق، مازلت أرى في التجارب التوفيقية الآن تجارب فاشلة، سواء ما قام بها إسلاميون أو بعض المفكرين المعتدلين لأن تجربة الفرد لا تكفي وإنما هو حراك جماعيّ يجب أن يتحرّك به المجتمع، حينما يدرك المجتمع أين هي مصحلته وما هو الطريق الذي يجب أن يسير عليه ساعتها يستطيع أن يحقق هذا الشيء الذي يجمع بين الأصالة والتراث وبين القديم والجديد، نحن الآن نجمعه على مستوى الأمنية، لكن على سبيل التحقيق والفعل لا أظن  "  
وعن علاقته باللغة الفرنسية وهو المترجم أيضا وقد اشتغل سنة في كلية الملك سعود كأستاذ ترجمة، يقول حبيب أنها مادامت جارية على لسانه فمن باب أولى أن يستغلّها لنفسه ولتراثه، هو لا يعتبرها غنيمة حرب، فزيادة لغة بالنسبة لحبيب زيادة معرفة وانفتاح وإدراك، وما وجده في اللغة الفرنسية كما يقول شعرا جميلا وفكرا جميلا.
وعن تركه للتدريس في جامعة سيدي بلعباس وإحالة نفسه على التقاعد والمواصلة خارج أسوار الجامعة، يقول حبيب أنه على عتبة الستّين وقد اشتغل سبع وثلاثين سنة في التدريس، وتفرّغ لنفسه وعائلته، وأنه يتنقل الآن بين الجامعات يحاضر ويقول رأيه بصراحة تامة ولا يحابي أحدا، وبعد خروجه من الجامعة طُلب منه أن يشغل كرسي التفسير في إحدى مساجد سيدي بلعباس وأنه يقوم بأروع التجارب وهي تفسير كتاب الله سبحانه وتعالى.
اختتم مونسي الندوة بحديثه عن المستقبل، وكيف يمكن أن نصنع بما نملكه من مخزون ثقافي وجمالي وحضاري صورة جميلة مشرقة عن المستقبل وفيها فأل مقابل الصورة العدوانية التي لدى الغرب، في ظل تفاعل وانتباه الحضور، حيث دامت الندوة لأكثر من ثلاث ساعات من المتعة والفائدة وهذه كانت سابقة في سلسلة الندوات التي ينظمها نادي خطوة حرّة.


                                                                                                                    
شاهد جوانب من مجريات الندوة العلمية على: قناة نادي خطوة حرة على يوتوب

المقال على جريدة الحوار الجزائرية 






حوار مع الكاتب والمترجم ومُؤسِّس "مجتمع رديف" الأستاذ يونس بن عمارة على جريدة الحوار ~ْ

الكاتب والمترجم ومُؤسِّس "مجتمع رديف" الأستاذ يونس بن عمارة للحـوار: غاية مشروع "مجتمع رديف" الأساسيّة إضفاء قيمة اقت...